بين شفرات الماضي ونبض الذكاء الاصطناعي: حكاية إنسان لم يتوقف عن "التفكيك"

6 دقائق قراءة
بين شفرات الماضي ونبض الذكاء الاصطناعي: حكاية إنسان لم يتوقف عن "التفكيك"

البدايات: من تفكيك المذياع إلى قنص الأقمار (رحلة الفضول الأول)

بدأت قصتي في أزقة قرية (أزرق)، حيث لم تكن التقنية مجرد أدوات، بل كانت "سحراً" أطمح لفك شفراته. بدأت علاقتي بهذا العالم منذ الطفولة؛ حين كان لا ينجو أي جهاز كهربائي من يدي؛ كنت أفكك الراديو والمسجل وأي جهاز يقع في يدي وأعيد تركيبهما لأفهم كيف يخرج الصوت من العدم.

ومع نضوج هذا الفضول، اتسع ليشمل عوالم الخيال عبر ألعاب الفيديو؛ انطلقت من بساطة الأتاري (Atari)، وعبرت مغامرات سيجا (Sega)، وصولاً إلى ثورة البلايستيشن وألعاب الـ PC. لم أكن ألعب فحسب، بل كنت أتأمل خلف الشاشة كيف يمكن لبرنامج أن يبني عالماً موازياً كاملاً. وحين اقتحمت أجهزة الاستقبال الفضائي (الستالايت) حياتنا، تحولتُ من هاوٍ إلى "قناص إشارات". كنت أقضي ساعات طوالاً تحت الشمس، أطارد أقماراً صناعية مجهولة، أضبط زوايا الأطباق النادرة بالمليمتر لانتزاع إشارة عابرة من قارة آخرى. كانت تلك القرية هي مختبري الأول، وتلك الأطباق هي مدرستي في هندسة الصبر والدقة؛ حيث تعلمت أن أصغر التفاصيل قد تكون الفارق بين التشويش والوضوح التام.

الانتقال الكبير: الخرطوم وعصر "المعجزات الرقمية"

في عام 2002، انتقلتُ إلى الخرطوم وانفجر العالم أمام عيني. امتلكتُ أول حاسوب شخصي بنظام Windows 98، ولم يهدأ لي بال حتى "رقيته" بنفسي إلى Millennium ME. ومن خلف صرير سلك الهاتف (Dial-up)، ولدت علاقتي الأبدية مع الإنترنت.

لم أكتفِ بالتصفح، بل بدأت أطوع أدوات الإبداع في مهدها؛ ففي عام 2003، كنت من أوائل من استكشفوا ثورة Photoshop CS في نسخته الأولى، وغصت في عوالم الثلاثي الأبعاد مع 3ds Max و Maya في عام 2004. كانت فلسفتي دائماً: "تعلم الأداة لتنفيذ الفكرة لا لكي اكون متخصص فيها". لم أسعَ قط لأن أكون "سجين أداة" واحدة، بل كنت أتعلم الأساسيات لأحصل على نتيجة احترافية تخدم مشاريعي، دون أن أفقد نفسي في دهاليز التخصص الضيق.

سنوات الجامعة: "قناية" السفارات ومعجزة السوق العربي

في عام 2004، بدأت رحلتي الأكاديمية في جامعة الرباط الوطني (كلية دراسات الحاسوب)، كنت ضمن الدفعة الثانية للكلية. في تلك الفترة، كنت ذلك الطالب الذي يملُّ من نظريات الكتب، ويبحث عن "الحقيقة" في المختبرات العملية.

في عام 2005، وبفضل اكتشاف أحد أصدقائي الساكنين معنا—وكان "حفاراً" تقنياً لا يهدأ—أدركنا وجود إشارات "واي فاي" تلوح في الأفق. حينها، ابتكرتُ حلي الخاص لاقتناصها: جهاز WiFi USB ضخم، مربوط بـ "قناية" (عود خيزران) تخرج من النافذة، وتطويلة USB بطول 10 أمتار حصلت عليها بعد رحلة بحث مضنية في محال "السوق العربي". في ذلك الوقت، لم يكن "الواي فاي" مشفراً لعدم انتشار أجهزة الاستقبال وندرتها؛ مما جعل الإنترنت متاحاً ومفتوحاً أمامي لأكثر من عامين (لا أدري بالضبط من أين كانت تأتي الإشارة، من السفارة الصينية أم الموريتانية، لكنها كانت تعمل!).

بفضل تلك "القناية"، جعلتُ الإنترنت جسراً لتعلم المونتاج؛ أتقنتُ برنامج Pinnacle Studio Plus، ثم انتقلتُ للاحتراف عبر Premiere Pro 1.0 و After Effects الذي لم يكن بتطوره الحالي آنذاك. تعلمتُ فن المونتاج والخدع البصرية بالكامل عبر الممارسة، والبحث في قوقل، والدروس المتفرقة، دون أن ألتحق بدورة تدريبية واحدة قط. هكذا قضيتُ لياليّ في مجتمع Hi5، قبل أن أكون من أوائل المنضمين لفيسبوك في 2006.

ظل الانطوائية وفلسفة "زر الحذف"

لكن خلف هذا الاندفاع التقني، كان هناك جانب أثر فيّ بعمق: انطوائيتي الشديدة. لقد كنت دائماً ذلك الشخص الذي يفضل العزلة ويتحاشى الاختلاط بالمجتمعات. هذه السمة كانت سلاحاً ذا حدين؛ فقد منحتني التركيز المطلق والانفراد بالآلة لساعات طوال، لكنها في المقابل أخّرتني وحرمتني من الاحتكاك المباشر بالخبراء وعكس معرفتي للغير. كانت عزلتي هي "المعمل" الذي نضجت فيه، والسجن الذي أخّر خروجي للنور كشخص يشارك العالم رؤيته.

ترافق ذلك مع "مزاجية حادة" وعدم استقرار؛ يتجلى بوضوح في حسابي بفيسبوك الذي لا يصمد لأكثر من ستة أشهر واحياناً اقل قبل أن أقرر حذفه نهائياً والبدء من الصفر. أنا أؤمن أن الجمود هو الموت؛ وهذه المزاجية هي التي جعلتني مرناً بما يكفي لأهدم قناعاتي القديمة وأبني غيرها فور ظهور أي تحديث تقني جديد.

المنعطف المصيري: التضحية بالأمان من أجل الشغف

بعد التخرج في 2008، عُينت في وظيفة حكومية مستقرة في السلطة القضائية (تسجيلات الأراضي)، لكن "الكود" كان يناديني بصوت أقوى من الاستقرار الإداري. بعد ثلاث سنوات، اتخذت القرار الذي رآه المقربون جنوناً: الاستقالة النهائية.

لم تكن مجرد استقالة، بل كانت "هدمًا" لبناء أساس أمتن؛ حيث انطلقتُ في رحلة تعلم ذاتي شاملة. قبل البرمجة، أتقنتُ تصميم الواجهات عبر الفوتوشوب وتكويدها بالكامل، في زمنٍ لم يكن فيه لـ Figma وجود. تعلمتُ HTML, CSS3, JavaScript، ومع ظهور أطر العمل، تبنيتُ Bootstrap في 2011 و Tailwind CSS في 2017. كانت منصة اليوتيوب والدورات المدفوعة هي جامعتي الحقيقية التي أعدت عبرها اكتشاف لغة PHP وتعلمتها بعمق فاق كل ما تلقيته أكاديمياً، مما قادني لتبني Laravel منذ نسخته الأولى في 2011، ثم Flutter في 2017.

عصر الذكاء الاصطناعي: حين يكتب الكود نفسه

عندما ظهر الإصدار الأول من GitHub Copilot، قلت لصديقي بصراحة: "مجالنا هذا لن يصمد كثيراً". وفعلاً، لم يمر وقت طويل حتى رأينا الانفجار العظيم لنماذج OpenAI (ChatGPT)، Anthropic (Claude)، وGoogle (Gemini).

لقد صدقت توقعاتي، واليوم أعيش هذا التحول بكل كياني. منذ أكثر من أربعة أشهر، لم أبرمج نظاماً كاملاً بيدي؛ لقد تغير دوري إلى "قائد أوركسترا تقنية"؛ أستخدم الذكاء الاصطناعي لبناء الهياكل الأساسية، بينما ينحصر تدخلي في تصحيح الأخطاء المعقدة، إعادة تصميم الواجهات، ووضع "اللمسة الإنسانية" والوعي الذي لا يمكن لخوارزمية أن تدركه.

المستقبل: دمج العقل الاصطناعي بالواقع الفيزيائي

طموحي الحالي يتجاوز الشاشات؛ أسعى لدمج هذه العقول الاصطناعية مع المتحكمات الدقيقة (Microcontrollers) والدوائر الإلكترونية. مستفيداً من خبرتي الجيدة في الصيانة والكهرباء التي بدأت بفك الراديو والأجهزة القديمة في قرية (أزرق)، أعمل الآن على خلق جسر يربط بين الذكاء الرقمي والواقع الملموس.

أنا لست مجرد مبرمج؛ أنا مستشرف للتقنية، طفل الفضول الذي لم يتوقف عن تفكيك العالم، والذي تعلم أخيراً أن انطوائيته ومزاجيته لم تكن عوائق، بل كانت هي من أعدته ليكون مرناً في عصر لا يقبل إلا المتغيرين.

الخاتمة: في مديح الفناء والولادة الرقمية

إن رحلتي التي بدأت بتفكيك أجهزة الراديو لم تكن مجرد بحث عن مكونات مادية، بل كانت تمريناً مبكراً على ممارسة "الهدم من أجل الفهم". اليوم، وأنا أقف على أعتاب عصر يكتب فيه الذكاء الاصطناعي الأكواد التي أفنيت عمري في تعلمها، لا أشعر بالتهديد، بل بالانعتاق.

لقد أدركتُ أخيراً أن "مزاجيتي" في حذف حساباتي والبدء من الصفر كل ستة أشهر وأحياناً أقل، لم تكن اضطراباً، بل كانت طقساً من طقوس التحرر من الأنماط الجامدة. أنا مقتنع تماماً بأن الروح التي لا تملك الجرأة على "ضغط زر الحذف" لكل ما هو قديم، لن تملك الفراغ الكافي لاستقبال ما هو جديد.

العالم اليوم لا يحتاج إلى (Coders) يملؤون الشاشات بأسطر ميتة، بل يحتاج إلى "معماريين" يملكون رؤية إنسانية، ويفهمون لغة النبض الرقمي كما يفهمون حرارة الدوائر الإلكترونية.

إنني أعود اليوم إلى جذوري؛ حيث بدأت مع الأجهزة الملموسة والكهرباء، ولكن هذه المرة بوعيٍ اصطناعي فائق. لم تعد الانطوائية حاجزاً، بل أصبحت هي "الخلوة" التي أستشرف فيها القادم. أنا لست نتاج دراستي أو وظيفتي أو حتى الأكواد التي كتبتها؛ أنا محصلة تلك "اللمسة الإنسانية" التي أضعها فوق عقل الآلة، وأنا ذلك الفضول الذي لا ينطفئ، والذي يرى في كل نهاية نظام.. بدايةً لقصة أعظم.

التغيير ليس خياراً نتبعه، بل هو القدر الوحيد الذي يستحق أن نعيشه بملء إرادتنا.