يوميات مبرمج | "الماجريات".. الثقب الأسود الذي يبتلع إنتاجيتنا

5 دقائق قراءة
يوميات مبرمج | "الماجريات".. الثقب الأسود الذي يبتلع إنتاجيتنا

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 📍 صحار، عُمان

لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد.. سوى أننا نعيش في عصر "الفيضان الرقمي" الذي جعلنا "متفرجين" أكثر منا "فاعلين". اليوم، وبعد رحلة غوص عميقة في كتاب "الماجريات" لـ إبراهيم السكران، أدركتُ أن أكبر ثغرة أمنية لا توجد في الأكواد التي نكتبها، بل في "الوقت" الذي نفقده في ملاحقة أحداث لا نملك القدرة على تغييرها.

"الماجريات" هي تلك الوقائع والأخبار والتعليقات الجارية التي تبتلع ساعاتنا. وإليك الدروس التي استنبطتها وأسقطتها على نفسي و واقعنا التقني والاجتماعي المعاصر:

1. فخ "المتابعة المتفرجة" وهروبنا من الكود

يُشخّص الكتاب حالة مريرة نراها اليوم بوضوح: تحول الشباب من "صُناع للتاريخ" إلى "محللين للواقع". تجد الشاب اليوم يعرف أدق تفاصيل الصراعات السياسية، وآخر أخبار انتقالات اللاعبين، وحتى تفاصيل الخلافات بين مشاهير "الترند"، لكنه في المقابل لا يملك "مشروعاً شخصياً" واحداً مكتملاً. كمبرمج، حين أواجه مشكلة "Bug" مستعصياً في مشروع "ما" أو معقدة، أجد يدي تتسلل "قسرياً" للهاتف. هذا ليس فضولاً، بل هو "فرار نفسي" من كدح العمل العميق (Deep Work) إلى سهولة المتابعة التي تعطي شعوراً زائفاً بالإنجاز والمعرفة.

2. "النبأ المتدحرج" ونظام الـ Polling الذهني

الكتاب حذر من "الماجريات السياسية"، واليوم نحن غارقون في "الماجريات الشبكية". الخوارزميات مصممة لتبقيك في حالة "انتظار" دائم للجديد. هذا جعل عقولنا تعمل بنظام الـ Polling المستمر (طلب بيانات جديدة كل ثانية)، مما دمر قدرتنا على التركيز الطويل. الشاب اليوم يستهلك 5 ساعات في "اللا شيء" ثم يشكو من ضيق الوقت لتعلم تقنية أو تطوير مشروعه الخاص.

3. "فقه الواقع" مقابل "الاستغراق في الواقع"

هنا الدرس الذهبي: **الكتاب لا يدعوك للجهل، بل يميز بين "فقه الواقع" (فهمه لإصلاحه) و"الاستغراق فيه" (الغرق في تفاصيله). في مجالنا، يكفيني معرفة "مجملات" ما يدور في عالم التقنية لأطوره في تطبيقاتي، أما الغرق في صراعات الشركات وتتبع "قيل وقال" في مجتمعات المبرمجين دون كتابة كود واحد، فهو "إفلاس مهني" مغلف بضجيج المعلومات.

4. "شلل الإرادة" وضريبة الأربعين: معركة الاستنزاف النفسي

يؤصل السكران لمفهوم مرعب وهو "شلل الإرادة"؛ حيث ينغمس الإنسان في المتابعة حتى يستهلك كامل رصيده النفسي في "الانفعال" مع الأحداث، فلا يتبقى لديه ذرة طاقة لـ "الفعل" الحقيقي. في سن الأربعين، أدركتُ أن الوقت لم يعد رفاهية، وأن الإنجاز هو الحقيقة الصلبة الوحيدة في هذا العالم الرقمي الهلامي. كل دقيقة أقضيها في مشاحنة شبكية عقيمة أو تتبع خبر لا ينفع، هي في الواقع "عملية قرصنة" مكتملة الأركان لعمري الذي هو أغلى رأس مال أملكه.

5. خدعة "التراكم المعرفي" من السوشيال ميديا

يوضح الكتاب أن العلم الحقيقي يحتاج إلى "جثوم" (جلوس طويل وتركيز)، بينما الماجريات تعطيك "نتفاً" من المعلومات المبعثرة. نحن كمبرمجين قد نظن أن متابعة أخبار التقنية هي "تعلم"، لكن الحقيقة أن التعلم هو أن تفتح الـ Documentation وتجرب الكود بيدك، لا أن تقرأ تغريدات عمن جربه.

خارطة الطريق للخروج من "الثقب الأسود" الرقمي

لقد استخلصتُ من تجربتي ومن وحي كتاب "الماجريات" هذه "الحمية الرقمية" القاسية، وهي بمثابة نظام تشغيل جديد لليوم، أنصح بها كل من يريد استعادة عمره:

1. قاعدة "العطاء قبل الأخذ"

للمبرمج: لا تفتح أي منصة تواصل أو بريد إلكتروني قبل إنجاز "مهمة برمجية" واحدة على الأقل (Commit واحد على الأقل). اجعل استهلاك المحتوى مكافأة لك بعد الإنتاج، لا بداية ليومك.

للعامة: ابدأ يومك بإنجاز حقيقي ولا تجعل أول فعل تفعله هو "استقبال" هموم العالم وأخباره قبل أن "تمنح" نفسك فرصة البناء.

2. تفعيل "وضع الرهبنة التقنية" (Monk Mode)

للمبرمج: عند التعامل مع كود معقد أو بناء معمارية نظام، أغلق كافة الإشعارات . تذكر أن الذكاء الاصطناعي قد يسرع كتابة الأكواد، لكنه لن يمنحك القدرة والتركيز؛ هذه مهمتك أنت وحدك.

للعامة: خصص "ساعات ذهبية" في يومك يكون الهاتف فيها خارج الغرفة تماماً. جرب أن تعيش ساعة واحدة دون "اهتزاز" في جيبك، ستكتشف أن العالم لن يتوقف، لكن ذهنك سيبدأ بالهدوء.

3. الفلترة الصارمة: "اقتصاد الانتباه"

للمبرمج: حدد مصدراً واحداً أو اثنين فقط للأخبار التقنية الجادة، واطلع عليهما في وقت محدد (يفضل نهاية اليوم). الغِ متابعة كل "المؤثرين" الذين يثيرون ضجيجاً تقنياً دون فائدة حقيقية.

للعامة: انسحب فوراً من المجموعات (الواتساب وغيره) التي تقتات على القيل والقال و"الترندات" الفارغة. كل معلومة تدخل عقلك ولا تدفعك لعمل صالح أو نجاح ديني و دنيوي هي "حشو" يستنزف معالجك الذهني.

4. الوعي بـ "لحظة الهروب النفسي"

للمبرمج: عندما تجد يدك تتسلل للهاتف فجأة وأنت أمام مشكلة برمجية مستعصية، توقف واسأل نفسك: "هل أنا جائع للمعلومة أم هارب من الكود؟". الاعتراف بالهروب هو أول خطوة للعودة والثبات أمام التحدي.

للعامة: عندما تفتح هاتفك في لحظات الملل أو الانتظار، اسأل نفسك: "ماذا أريد الآن؟". إذا لم تجد إجابة واضحة، فأنت تهرب من مواجهة نفسك أو التفكير في واقعك. واجه الملل فهو منبت الإبداع.

5. الاستثمار في "فترات التركيز العميق" (Deep Work)

للمبرمج: خصص دورات زمنية (مثلاً 90 دقيقة) للعمل المتواصل. في هذه الفترة، أنت والآلة فقط، بعيداً عن أي مشتت. الإنجاز الحقيقي لا يحدث في فترات "التقطع" بل في "الغوص" الطويل.

للعامة: خصص وقتاً غير منقطع لأهم ما في حياتك؛ جلسة حقيقية مع أهلك، قراءة كتاب بعمق، أو ممارسة هواية بناءة. الحياة ليست "لقطات" سريعة، بل هي تجارب عميقة نعيشها بكامل حواسنا.

النصيحة: تذكر دائماً أن "شلل الإرادة" يبدأ بفضول تافه، وينتهي بعمر ضائع. نحن لا نحتاج إلى هواتف أذكى، بل إلى "إرادة" أقوى. ابدأ اليوم بفرض سيادتك على وقتك،

خلاصة اليوم: التحرر من "الماجريات" هو أول خطوة لتكون النسخة الأفضل من نفسك خلال عام.

القوة في 2026 ليست فيمن يعرف "ماذا حدث"، بل فيمن يملك أهدأ عقل وأطول فترة تركيز لينتج ما ينفع الناس ويبقى في الأرض.